ابن رشد
300
تهافت التهافت
بين العرض والجوهر مادة مشتركة ولا بين السواد والقدرة ولا بين سائر الأجناس مادة مشتركة فكان هذا محالا من هذا الوجه . وأما تحريك اللّه تعالى يد ميت ونصبه على صورة حي يقعد ويكتب حتى يحدث من حركة يده الكتابة المنظومة فليس بمستحيل في نفسه مهما أحلنا الحوادث إلى إرادة مختار وإنما هو مستنكر لاطراد العادة بخلافه . وقولكم : تبطل به دلالة أحكام الفعل على علم الفاعل فليس كذلك فإن الفاعل الآن هو اللّه تعالى وهو المحكم وهو فاعل له . وأما قولكم : إنه لا يبقى فرق بين الرعشة والحركة المختارة فنقول إنما أدركنا ذلك من أنفسنا لأنا شاهدنا من أنفسنا تفرقة بين الحالتين فعبرنا عن ذلك الفارق بالقدرة فعرفنا أن الواقع من القسمين الممكنين أحدهما في حالة والآخر في حالة وهو إيجاد الحركة مع القدرة عليها في حالة وإيجاد الحركة دون القدرة في حالة أخرى . وأما إذا نظرنا إلى غيرنا ورأينا حركات كثيرة منظومة حصل لنا علم بقدرتها فهذه علوم يخلقها اللّه تعالى بمجاري العادات يعرف بها وجود أحد قسمي الإمكان ولا يتبين به استحالة القسم الثاني كما سبق . قلت : لما رأى أن القول بأن ليس للأشياء صفات خاصة ولا صور عنها تلزم الأفعال الخاصة بموجود موجود هو قول في غاية الشناعة وخلاف ما يعقله الإنسان ، سلمه في هذا القول ونقل الإنكار إلى موضعين : أحدهما أنه قد يمكن أن توجد هذه الصفات للموجود ولا يوجد لها تأثير فيما جرت به عادته أن يؤثر فيه ، مثل النار مثلا فإنه يمكن أن توجد الحرارة لها ولا تحرق ما تدنو منها وإن كان شأنه أن يحترق إذا دنت منه النار . والموضع الثاني : إنه ليس للصور الخاصة بموجود موجود مادة خاصة . فأما القول الأول : فإنه لا يبعد أن تسلمه الفلاسفة له وذلك أن أفعال الفاعلين ليس صدور الأفعال عنها ضروريا لمكان الأمور التي من خارج فلا يمتنع أن يقترن النار بالقطن مثلا في وقت ما . فلا تحرقه إن وجد هنالك شيء ما إذا قارن القطن صار غير قابل به للإحراق ، كما يقال في الطلق مع الحيوان . فأما أن المواد شرط من شروط الموجودات ذوات المواد فشئ لا يقدر المتكلمون أن ينفوه ، وذلك أنه كما يقول أبو حامد : لا فرق بين نفينا الشيء وإثباته معا أو نفينا بعضه وإثباته معا ، ومتى كان قوام الأشياء من صفتين : عامة وخاصة وهي التي يدل عليها الفلاسفة باسم الحد المركب عندهم من جنس وفصل ، فلا فرق في ارتفاع الموجود بارتفاع احدى هاتين الصفتين مثال ذلك :